كلمة رئيس جمعية خريجي المعهد العالي للدراسات البحرية بمناسبة اليوم العالمي للبحارة 2026
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير من ركب البحر وجاب الآفاق، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الحضور الكريم، رجال البحر الأفذاذ، يا سلالة الموج ويا ورثة عز المجد البحري،
يا من حملتم في عروقكم ملوحة التحدي، وفي عقولكم خرائط الأمل، وفي قلوبكم شغف المدى البعيد.
إن وقوفنا اليوم في هذا المحفل المبارك ليس مجرد احتفاء بمناسبة عابرة، بل هو وقفة إجلال لمن صنعوا المجد بأيديهم، وأبحرَوا في لجج العطاء دون كلل. إن النهضة البحرية الحقيقية لا تبنى بالحديد والخرسانة وحدها، بل تُبنى أولاً وأخيراً بالإنسان المؤمن بقدراته، المتمسك بكفاءاته، الواثق من دوره. إن بناء الإنسان البحري هو الركيزة، وهو الجوهر، وهو القبلة التي منها تبدأ كل نهضة، وإليه تعود كل ريادة.
حَقّاً، وبكل اعتزاز: رجال البحر هم رجال البحر
هذا يوم احتفال واحتفاء واحترام، تقدير وتكريم وامتنان.
هؤلاء الرجال الذين أمضوا أعمارهم بين ثنايا الأمواج، علّموا الصخور معنى الصبر، وعلموا السفن معنى الالتزام.
قدماؤنا مفخرتنا، وتلاميذنا الضباط مستقبلنا، وبين هاتين المحطتين، تترسخ هوية الكفاءة التي لا تزول.
لقد أصبح البحر شأنا وطنيا، والحمد لله، هناك تحرك.
ابتدأنا بالحفل، ثم المشاريع، ثم بيان النهضة البحرية، ثم الندوة. الإخوان في الجمعيات الأخرى كذلك، والوزارة أقامت المناظرة.
الحلم البحري قائم، وأصبحنا نسمع مصطلحات وأدبيات تتكرر، وهذا مؤشر خير، لكنه وحده لا يكفي ما لم يترجم إلى كفاءات بشرية تُحيي هذا الحلم وتُرضعه من ينابيع الخبرة.
رجال البحر هم مفتاح النهضة البحرية
حفلنا هذا حددنا له شعاراً ذا مغزى، نترجم به عقيدتنا الراسخة:
رجال البحر هم مفتاح النهضة البحرية
نعم، هم المفتاح الذهبي لكل أبواب التقدم، وهم الروح النابضة في جسد المنظومة البحرية.
فلا نقيم النهضة البحرية بإقصاء الكفاءات، ولا نصنع مستقبلاً زاهراً بتهميش أصحاب الاختصاص.
الميناء بوابة البر على البحر لا يحجبه بل يفتح الأفق، وخريجونا متواجدون في الموانئ، وهم الجسر البشري الواصل بين يبس البر ورحابة البحر، ونحن نصل هذين العالمين من خلالهم: الإرشاد، القطر، القبطانيات والسلطات المينائية، كوادر ومدراء العمليات.
يدنا ممدودة وحبال التواصل كذلك، لأن التعاون هو وقود الكفاءة، والكفاءة هي ثمرة هذا التواصل المبارك.
البحر عالم دولي، مؤطر باتفاقيات دولية، تحكمه قوانين، والتزامات، ومعايير دولية.
والفاعلون فيه، إما أن ينخرطوا في السياق الدولي أو يتركوا السباق.
لذلك أي تحرك وطني، ينبغي أن يؤطر من خلال التوجيه الدولي، وأن يُصقل بالكفاءات القادرة على فهم روح هذه المعايير، لا حروفها فقط.
وهذا سيجعلنا نضبط البوصلة، ونحترم الخرائط، نختصر المسافات، ونريح أعصابنا كذلك، لأن من يمتلك الكفاءة لا يخاف من السباق، بل يسبق الجميع إليه.
نحن هنا
مؤسسة، مهيكلة، تنمو، تتفاعل، تتعاون وتمد حبال التواصل، وجسور العبور.
فلا يخش أحد من المأسسة والعمل المهيكل، الواضح، العلني، ولا يخش أحد لا مقترحاتنا ولا نقدنا الصريح، لأن نقدنا هو نبض الإخلاص، وهدفنا هو تحصين الكفاءة الوطنية.
نحن هنا، نعبر عما نؤمن به من أجل مصلحة البلاد والبحار وأهل البحر.
وهذه المصلحة تقتضي رفع اللبس عن بعض النقط، ووضع الأمور في نصابها الصحيح:
الإشادة بالإنجازات المينائية لا تشفع لنا للتأخير الحاصل في الملاحة والأسطول.
البحر لا يُبنى بالخرسانة وحدها، بل يُبنى بقلوب وعقول رجاله.
لا تحقق النهضة البحرية بإقصاء الكفاءات الوطنية بل بتوظيفها في مكانها الصحيح، وإعطائها الثقة التي تستحق، والصلاحيات التي تمكنها من العطاء.
بناء المنشآت مختلف عن بناء السفن، وعقلية الملاحة التجارية تختلف اختلافاً جوهرياً عن عقلية الإسمنت المسلح. الأولى مرنة، ديناميكية، إنسانية بامتياز.
نحن هنا لنتعاون مع كل الأطراف، طبعاً إذا رغبت بالتعاون معنا.
وإلا، فنحن ماضون في مسارنا، نوجه بوصلتنا نحو النهضة البحرية، ونترجم كفاءاتنا إلى خطى ثابتة، ونتتبع موقعنا في الخريطة البحرية.
مشاريعنا تتقدم، نبذل فيها ما نستطيع، ونتمنى أن ينضم إلينا من يرغب في العمل الصادق الجاد، بعيداً عن المحاباة، وقريباً من روح الكفاءة والانتماء.
رسائلنا
رسالتنا إلى إدارتنا: ابتغوا الأفضل دائماً وفق المنظومة الدولية والمعايير الدولية، واجعلوا الاستثمار في الإنسان البحري هو العنوان الأبرز في موازناتكم وقراراتكم.
رسالتنا إلى معهدنا: حافظوا على روح المعهد، وهو التكوين الأصلي لضباط الملاحة التجارية، وطوروا حول هذه الهوية الأصيلة، ولا تفرطوا في جوهركم الأكاديمي والإنساني، فهو الذي يصنع الكفاءة، ويحمي المستقبل.
رسالتنا إلى خريجينا: التفوا حول جمعيتكم، وساهموا في إثراء هذه التجربة. فقد لاحظتم أن التفافكم يُوتي أكله، ويجني ثماره، لأن وحدتكم هي عنوان قوتكم، وتكاتفكم هو سر تميزكم.
رسالتنا إلى أبنائنا التلاميذ الضباط، شبابنا الواعد: أنتم مستقبلنا، نرى فيكم ما لم يتحقق في عهدنا، نرى فيكم الكفاءة المتقدمة، والعزيمة الصادقة، والإرادة التي لا تلين، فلا تخذلونا، وكونوا عند حسن ظننا بكم، فبكم ترقى الأمم، وبعزيمتكم تنتعش البحار.
وبالنسبة لقدمائنا الذين حافظوا على هويتنا في الأيام الصعبة، وصبروا على قسوة البحر وغربة الموانئ: أنتم فخرنا، تيجان فوق رؤوسنا، ووسام الشرف الذي نحمله على جباهنا مدى الحياة. بكم تعلمنا أن الكفاءة ليست شهادة، بل هي سيرة وتاريخ وأمانة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ودعاؤنا أن يحفظكم الله لبحاركم، ويحفظ بحاركم بكم، وأن يمد في أعماركم لتشهدوا نهضتكم البحرية التي تليق باسمكم وتاريخكم.
والحمد لله رب العالمين.